هذا الفنان العبقري لم يكن يرسم كثيرا فقط ، بل كان يكتب أيضا بنفس الحرارة والتوهج كمًا هائلا من الرسائل والخواطر إلى شقيقه ( تيو ) والتي جُمعت في كتاب من ثلاثة مجلدات تضمنت آرائه في الرسم وفي النقد والمجتمع و المرأة وعن نفسه في اغلب الأحيان.
و سعد "فان جوخ كثيراً بصحبة أخيه بعد ما قاساه من وحشة وحرمان و كذلك سعد بحياته الجديدة في باريس .. فما لبث أن تغيرت ألوانه القاتمة و حلت محلها الألوان الزاهية البراقة التي ربما عكست رؤيته للحياة في تلك الفترة، والتي اتجه فيها إلى دراسة النظريات والأساليب الفنية الجديدة و مناقشتها مع أصحابها بل وتجربتها في لوحاته، كما تعرف خلال هذه الفترة على عدد من الفنانين الشباب ومنهم " تولوزلوتريك" و " بول جو جان"
كما تأثرت لوحاته بالرسوم اليابانية المطبوعة .. ثم ظهرت تأثيرات تجارب زملائه المعاصرين علي فنه، و بعد مضي عام آخر كان قد استوعب كل ما حوله من تجارب ليصبح مهيئاً لمرحلة ناضجة استغرقت بقية حياته..
و استمرت إقامة " فان جوخ" الأخيرة في باريس لمدة عامين إلى أن قرر فجأة في فبراير عام 1888 السفر إلى بلدة " أرلبمقاطعة "بروفانس" في جنوب فرنسا حيث الشمس الساطعة طوال النهار والألوان المتوهجة، و عكف خلال العامين التاليين على الرسم في سعادة و حماس لدرجة أن لوحاته في تلك الفترة تشع حيوية في ألوانها و شكلها..
[ لا يمكنك مشاهدة الرابط إلا بعد التسجيل ]
للتسجيـــــــــل
و في هذه المرحلة دعا "بول جوجان"إلى الإقامة معه وهو يحلم بإنشاء رابطة للفنانين وبأن يكون منزله هو نواة تحقيق هذا الحلم .. إلا أن وصول جوجان أعقبته المتاعب، فالمناقشات احتدمت والخلاف في الرأي اتسع والصخب الذي يثيره "جوجان أينما حل أدي إلى توتر أعصاب " فان جوخ" حتى كان الانفجار عندما سخر " جوجان" من فكرة إنشاء رابطة للفنانين وعندئذ قذف " فان جوخ" محتويات كأسه من النبيذ في وجه "جوجان" ثم أغمى عليه، فحمله "جوجان" من المقهى إلى المنزل وأرقده في الفراش، و في الصباح ندم "فان جوخ" و طلب من زميله الصفح، ولكنهما ما لبثا أن عادا إلى الشجار بعد منتصف الليل، وتطور غضب " فان جوخ" لدرجة جعلته يخرج موس الحلاقة و يشهره في وجه " جوجان" بل و جرى وراءه في الشوارع محاولاً قتله، ولكنه عاد إلى بيته بعد أن أفاق و هو يشعر بحالة تمزق عنيف
ولكنه عاد إلى بيته بعد أن أفاق و هو يشعر بحالة تمزق عنيف.
و رحل "جوجان تاركاً " فان جوخ" التي ظلت حالات الهياج الجنوني تعاوده من حين لآخر حتى قام في إحداها بقطع آذنه و ربط رأسه المصاب ثم قدم الأذن المقطوعة في لفافة إلى محبوبته التي طلبت منه أذنه خلال إحدى مداعباتها له ، وعندما عاد إلي بيته أغمي عليه و لم يفق إلا في المستشفي، و عندما استرد صحته طاردته أنظار أهل البلدة و صيحات أطفالها.. فانهارت أعصابه و لم يجد أخوه بداً من نقله إلى مستشفي للأمراض العقلية بالقرب من " أرل"، وهي المستشفي التي مكث فيها عام، و سمح له بالرسم فيها فظهر في لوحاته بهذه المرحلة شيء من عنف نوبات الصرع التي تعرض لها.. و عندما نجح أخوه في بيع إحدى لوحاته بمبلغ فرنك .. اقترح أن يستخدم هذا المبلغ في الاستشفاء بمصحة خاصة قرب باريس يشرف عليها طبيب يدعي "دكتور جاشيت" و هو من هواة الفن، و قد أمضي هذا الطبيب أوقاتاً طويلة في صحبته، و لكن نوبات الصرع راحت تتوالى بانتظام وسئم جوخ الحياة.. فخرج إلى حقل مجاور وأطلق على نفسه الرصاص و لكنه لم يمت على الفور حيث نقله " تيو " إلى المستشفي التي مات بها بعد يومين وهو لم يتجاوز السابعة والثلاثين من عمره بعد أن رسم أكثر من لوحة وحوالي رسمة .
| مات معدما، هزيلا، نحيلا، مهووسا، بعد أن طارده المرض وقذف به إلى مصحة عقلية، مات فان كوخ ليبدأ العالم تذكره وكتابة اسمه في قائمة الخالدين بأعمالهم .. الآن لوحاته لا تقدر بملايين الدولارات .. وهو كان يعيش أياما بأكملها على رغيف خبز واحد |