لانر يد أن نسترسل أكثر من ذلك فى نماذج الفساد والإفساد فى المجتمعات البشرية , ونترك لذاكرة القارئ وفطنته وخبراته استكمال باقى النماذج على مهل .
ولكن ربما يقول قائل : وما الغريب فى هذا ؟ أليست تلك طبيعة البشر ؟ اليست هذه النماذج موجودة فى المجتمعات البشرية على مر العصور ؟ ..... وهذا صحيح .... لكن الغريب والجديد فى هذه الحقبة هو سعة الإنتشار والتغلغل الوبائى لهذه النماذج على كافة المستويات خاصة فى مراكز القيادة على مستوى العالم المتقدم والمتأخر , وفى نفس الوقت قدرة وتوحش الآلة الإعلامية الجبارة فى تقديم هذه النماذج ليل نهار للعالم على أنهم قادة السياسة والرأى والفكر والصناعة , وأن ما يتبنونه من قيم هى قيم التفوق والنجاح والتأثير . والنتيجة المتوقعة والحاصلة هى توحد كثير من الناس ( حتى المتضررين من سلوك هذه النخبة ) مع هذه القيم وتينيها , وهو ما نسميه التوحد مع المعتدى , حيث نجد الشعوب المظلومة والمنهوبة والمنتهكة فى مرحلة من المراحل تفقد استنكارها لما يحدث لها وتبدأ فى تبنى قيم من أهدر كرامتها وأضاع حقوها وسجن أبناءها فنجدهم مع كل هذا يحملون صوره ويعلقونها فى كل مكان ويهتفون بحياته ( والتى تعنى ضياع حياتهم ) ويعطونه أصواتهم فى الإنتخابات , وهذه الحيلة الدفاعية النفسية ( التوحد مع المعتدى ) تحمى المعتدى عليهم ( بشكل وهمى غير ناضج ) من الشعور بأنهم ضحايا للمعتدى حيث أصبحوا جميعا فى صف واحد ( كما يتخيلون ) . وهذه العملية النفسية حين تحدث لأى شعب فهى كارثة كبرى حيث يفتقدون الرؤية النقدية للتشوهات السلوكية فى القيادة وفى المجتمع ومن هنا تصبح الإفاقة بعيدة المنال وتتوقف على قدرة قلة من نخبة المثقفين وأصحاب الر أى قد نجوا من حالة الإستلاب والتوحد مع المعتدى ( المستبد ) يقودون حركة إصلاح ربما تنجح أو تفشل حسب ظروف المجتمع الذى يعيشون فيه , وحسب قدرتهم على المثابرة ودفع ضريبة التغيير .
وحين يسود الفساد ويتغلغل , يصبح مألوفا ويصبح هو القاعدة التى تحكم غالبية سلوكيات الناس , وفى هذا الوضع تقل أو تدفن أو تتوارى أو تضعف أو تستبعد كل القيادات الأخلاقية المتميزة , ويعيش أصحابها حالة من العزلة والإنكماش والإستبعاد والإستضعاف والإغتراب فلا يراهم الناس ولا يسمعون لهم صوتا , وهذه هى الحال التى وصل إليها قوم لوط حين قالوا عن المؤمنين الطاهرين منهم : " أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " , فقد أصبح التطهر فى هذا المجتمع الموبوء جريمة تستحق الإبعاد . والمجتمعات التى على هذه الشاكلة تعرفها بوجود هيئة أو مؤسسة وظيفتها التحرى حول ميول واتجاهات المرشحين للوظائف ( بعيدا عن مؤهلاتهم العلمية أو مهاراتهم أو قدراتهم الوظيفية ) , وتصبح الوظائف القيادية مقصورة على من تنطبق عليهم مواصفات هذا المجتمع , ومع مرور الوقت واستمرار عملية الإنتقاء تفرغ المراكز القيادية العليا والمتوسطة من العناصر النظيفة أو الأخلاقية أو الفاعلة وتقتصر على المستسلمين والموافقين والمنبطحين والفاسدين , وهكذا تقوى منظومة الفساد وتتسع دوائره لكى تحمى بعضها بعضا , وتكون النتيجة النهائية سيادة سمات اضطرابات الشخصية فى عدد هائل من أفراد المجتمع خاصة الصفات السيكوباتية النفعية والإنتهازية ( الكذب , التحايل , الخداع , النفاق , السرقة , الإبتزاز , التضليل , التزييف ) .
وقد يتساءل متسائل : ألا يدل انسحاب وتراجع أصحاب الأخلاق فى مقابل أصحاب القوة والسيطرة على أحقية القوة فى القيادة والتأثير , وعلى أن منطق القوة هو منطق الواقع , وأن منطق الأخلاق هو منطق الخيال والأحلام ؟
والحقيقة أن البشرية عاشت وأنتجت حضارات وحياتها خليط من القوة والقيم مع تفاعل وتوازن بينهما , إلى أن جاءت الحقبة الأمريكية الحالية فضربت القيم ضربة قاضية لصالح القوة , فانطلقت القوة منفردة فى الساحة متجاهلة كل القواعد الأخلاقية والشرعية بل ومستهينة بها ومسفهة إياها بشكل علنى غير مسبوق , وهذا يحقق مثلا شعبيا مصريا يقول: " القوى عايب " , وهو يعنى أن القوة تميل إلى التجرد من الأخلاق ومن الشرعية , وهذا ما حدث بالضبط فى عصر ا لإمبراطورية ا لأمريكية حين انفردت مستبدة بحكم العالم . ولا نعنى هنا القوة العسكرية الباطشة المستعمرة بلا وجه حق لأفغانستان والعراق والمتواطئة فى احتلال فلسطين والجولان والمتنمرة لاحتلال سوريا وإيران , ولكن نعنى أيضا القوة الإقتصادية التى تبحث عن الربح بأى شكل وتستنزف ثروات ا لضعفاء والمغفلين والمستغفلين , والقوة الإعلامية التى تخدع عين المشاهد وأذنه وتزيف وعيه وتوقظ دوافع العنف والعدوان والجنس لديه بصرف النظر عن أى اعتبارات أخلاقية أو مهنية . ويمكن تفسير هذا الإنشقاق والخصام بين القوة والقيم إلى طبيعة نشأة المجتمع الأمريكى المبكرة حيث تكون من المنفيين والمستبعدين وخريجى السجون والغاضبين والسا خطين على مجتمعاتهم الأصلية فى أوروبا (أى الذين يحملون جينات اضطرابات شخصية ) , هؤلاء ذهبوا إلى أمريكا وهم يحملون فى نفوسهم كراهية للقيم والقوانين السائدة فى المجتمع الأوروبى , تلك القيم التى عانوا تحت مظلتها واستبعدوا أو هربوا بسببها , لذلك لفظوها أو جنبوها وراحوا ينهلون من خيرات المجتمع الجديد , وحين واجهتهم مشكلة السكان الأصليين ( الهنود الحمر ) حسموا أمر هم بعيدا عن أى اعتبارات أخلاقية حيث قاموا بقتلهم أو استبعادهم أو استعبادهم كى تخلو لهم هذه الجنة الجديدة , وكان هذا هو منطقهم وا ستمر إلى الآن رغم ما يغلفه من مظاهر ديموقراطية وادعاءات الحرية والعدالة ( راجع سلوكهم الوحشى وغير الأخلاقى فى ا لحرب العالمية الثانية تجاه اليابان , وفى حربى الخليج وفى الإغارة على أفغانستان والعراق ) .
والمشكلة أن طريقة وصول قيادات العالم للحكم سواء بالانتخابات فى - الدول ا لمتقدمة أو بالإنقلابات فى الدول المتخلفة – تعطى فرصة أكبر لمن استطاع أن يخادع أو يناور أو يشترى الذمم والأصوات أ و يستولى على السلطة بالقوة والقهر أن يصل إلى سدة الحكم , فى حين أن أصحاب الأخلاق غالبا ما يفشلون فى الوصول عن طريق هذه الآليات فهم لا يملكون القدرة على المناورات الإنتخابية فى الدول الديموقراطية , وربما لا يملكون ا لمال , ولا يملكون ا لقدرة للوصول بالقوة العسكرية فى الدول المتخلفة , وفى الحالتين نجدهم مستبعدين من النخبة الحاكمة إلا فيما ندر .
ونتيجة هذا الخلل هو فى النهاية خلل فى التركيبة النفسية للأفراد والشعوب حيث تتجه الأنماط والسمات الشخصية إلى الجانب الأيسر من المنحنى فيتبنى الناس الكثير من قيم الكذب والخداع والإستغلال والإبتزاز والتحايل والتلون والتزوير والتلفيق والعنف والتسلط والقهر , يقابل هذا حالة من غياب القيم الدينية أو تغييبها أو تشويهها أو وصمها بالتطرف والإرهاب , والقيم الدينية هى منبع القيم المطلقة المرتبطة بالسماء وليس بأطماع الناس وشهواتهم , وهى مطلقة بمعنى أنها لا تتغير حسب الظروف أو الأشخاص أ و المصالح فالصدق صدق فى كل الأحوال والظروف والأمانة كذلك والرحمة والتسامح والإخاء والتكافل والحب ....إلخ . وقد أضحى أصحاب القيم الدينية الأصيلة والمطلقة مشغولون – بفعل القادة العالميون – بالدفاع عن أنفسهم ضد محاولات الوصم والتشويه والإختراق , وبالتالى لم يعد لديهم نفس القدرة على التأثير والتوجيه والقيادة , هذه الأشياء التى انتقلت لمن ملكوا أسباب القوة .
إذن فهذا الواقع ينذر بأننا أمام حالة من التلوث الوبائى يصيب الشخصية البشرية على نطاق واسع , أو فيروس يخترق البرنامج الإنسانى ويشوهه . وهذا التلوث أو هذا الفيروس عابر للثقافات والقارات والمجتمعات , وهذه خطورته , لذلك لا تفيد فيه المحاولات ا لبسيطة أو المحلية للمواجهة , بل يحتاج لعقل الحكماء والعلماء الموضوعيين الموجودين على سطح الأرض ليقوموا بالتشخيص واقتراحات العلاج وآلياته ومتابعة تنفيذه بعد أن يخترقوا سحب الزيف والكذب والخداع والضلال لكى يصلوا إلى جوهر الحقيقة وينبهوا البشرية إلى الطريق الصحيح بعد أن ضلت أو كادت أن تضل الطريق .
وقد كان هناك اتجاه فى الجمعية العالمية للطب النفسى بأن تقترح آلية لاكتشاف الإضطرابات النفسية لدى القادة والرؤساء والملوك والزعماء واتخاذ ما يلزم لتجنيب ا لمجتمعات البشرية مخاطر قرارات هؤلاء الناس الذين يملكون فى أيديهم ترسانات هائلة من الأسلحة أو مليارات الدولارات أو الجنيهات أو الدينارات أو الفرنكات أو الريالات , ويمكن أن يهددوا بقرراراتهم الملايين من أرواح البشر ,أو يهددوا راحة واستقرار ونمو شعوبهم . ومن المعروف أن أى فرد فى أى مجتمع يطلب رخصة لحمل سلاح لابد وأن يعرض أولا على طبيب نفسى لتقرير مدى سلامته من الناحية النفسية , فكيف لا يتم هذا مع قادة وزعماء يملكون تحت أيديهم قدرات عسكرية ( نووية أو بيولوجية أو تقليدية ) واقتصادية هائلة . وهناك مشكلات منهجية وتقنية تصعب من هذا الأمر , إذ كيف يتم تقييم الحالة النفسية أو الإضطرابات الشخصية لهذه الفئة من الناس , ومن له الحق فى ذلك , وكيف نضمن حياده وعدالته , وإذا تم التقييم فمن يملك القدرة على المحاسبة , وكيف نضمن أن هذا الأمر لن يتم استغلاله بواسطة القوة الأمريكية المهيمنة ( أو أى قوة تهيمن بعد ذلك ) لمعاقبة من لا يسيرون فى فلكها بحجة إصابتهم باضطرابات نفسية أو شخصية . عموما مازال هذا الأمر يستحق الكثير من التفكير الجاد والمنهجى لتجنيب البشرية مخاطر التشوهات النفسية والخلقية التى تصيب بعض قادتها وتؤدى إلى تشوه شعوبها وتلوث البيئة العالمية والمجتمع الإنسانى .