الثلاثاء 19 رمضان 1425 هـ :
عصر يوم الاثنين ، كان قد هاتفني أحد الأصدقاء ، و دعاني إلى لقاء في منزل أحــد الأعيان ، على شرف شخصية ثقافية من دولة عربية . لم أكن مستعدا نفسيا ، للقاء مثل هذا .. و اعتذرت . والدي يملأ قلبي و خاطري .. فكيف أستطيع الحضور ، و المشاركة ..؟ أصرّ عليّ .. بحجة أن حضوري مهم ، و أن صاحب المنزل ، حريص على حضوري .
أوصلتُ والدتي للبيت ، بعد خروجنا من المستشفى ذاك المساء ، و توجهت إلى منزل صاحب الدعوة . كانت الساعة تقترب من منتصف الليل .
في منزل المضيف ، انهمكنا في نقاش ، حول هموم (وطنية) ,, و قضايا (الإصلاح) ، التي أصبحت مطلبا على مختلف الصعد . يتفق الجميع على أهمية ، ووجوب الشروع بتنفيذها .. و تختلف الرؤى .
كنتُ أتحدث ، و قلبي هناك .. في المستشفى ، مع رجل .. أنا مدينٌ له بكل شيء .. من شكل (الإنسان) ، إلى معنى (الرجل) ..!
رجلٌ ملأني كرامة و عزة .. و امتلأت بوجوده إلى جانبي ، ثقةً و أملاً ..
في الساعة الواحدة و عشر دقائق ، من صباح الثلاثاء .. دقّ جوالي . تناولته من جيبي ، و صرتُ أتأمل رقم المتصل .. لم أعرفه . وضعتُ نظارة القراءة على عيني ، و تأكدتُ أن الرقم غريب .. ثابت ، و ليس جوالاً . حين أجبت .. جاءني الصوت :
- فلان ..؟
- نعم ..
- معك مركز الأمير سلطان لجراحة القلب .. والدك يمر بوضع حرج ، و نريدك أن تأتي الآن .
تسارعت دقات قلبي ، حين عرّف بنفسه ، و شعرت باضطراب ، لاحظه الحاضرون . طَلَبهُ مني الحضور ، شلّ قدرتي على النهوض للحظات ، و أحسستُ كأن قلبي سقط من مكانه ، فوضعت يدي أسفل صدري .
قطعتُ حديثا ، كان يجري ، و طلبتُ الإذن من مضيفي .. بالإنصراف :
- هناك اتصال من المستشفى .. يجب أن أذهب .
قدتُ سيارتي باتجاه المستشفى . عشرات الأسئلة .. جالت بخاطري . استبعدتُ فكرة (الموت) .. تماما . العاملون في المستشفيات ، تبلدت أحاسيسهم تجاه الموت ، من حيث هو (حدث) يصدم أصحاب العلاقة . تعاMAK مع حالات موت يومية ، جعلتهم يظنون – دون سوء قصد – أن الناس مثلهم ، يواجهون ( الموت ) كل يوم .. فلم يعودوا يبالون ..! العاملون في المستشفى .. افترضت كذلك ، ليسوا بهذه الرقة و الحساسية ، تجاه الموت ، كحدث غير عادي ( لنا ) .. بحيث لم يرغبوا أن يسببوا لي (صدمة) .. ففضلوا إبلاغي ، بشكل تدريجي .
إذن لماذا طلبوا حضوري ..؟
حين وصلت .. استغرب رجل الأمن مجيئي ، في وقت متأخر .. مثل هذا .
أخبرتُه أن لدي مريض ، و أن المستشفى اتصلوا بي ، و طلبوا حضوري . سمح لي .. فأخذت المصعد إلى الدور الثالث .
خرجتُ من المصعد ، كان باب وحدة العناية المركزة لحظتها .. مفتوحا ، حيث صادف خروج أحد العاملين .
دخلت و توجهت إلى السرير رقم (9) . كان الطبيب هناك ، و بعض المساعدين .. و الممرضات . كانوا منهمكين في نشاط غير عادي . لا ينفك الطبيب عن إصدار أوامر ، و طلبات ، للذين معه . التفت إليّ .. و قال :
- ضغط الوالد يتراجع بسرعة ، منذ أكثر من ساعة .. فشلنا في إيقافه . نحن نبذل محاولات أخيرة .
نظر إليّ ، و قرأتُ (الموت) في عينيه . رفعت عينيّ للجهاز .. كان الضغط دون الـ (50) .. و ينزل : 48 .. 47 .. 46 . نظرتُ إلى والدي .. كان ينازع . لم أستطع متابعة المشهد .. فخرجتُ . في غرفة استراحة مجاورة ، رميت بجسدي على المقعد الأول .. كلماته : نبذل محاولات أخيرة ، شعرت بها ، مثل الأشفار .. تنغرس في وجداني المكلوم .
الساعة التي في يدي ، تشير إلى الواحدة و خمس و ثلاثين دقيقة صباحا .
في قلبي .. كان الزمن يؤذن بنهاية ..!
كنت غارقا في لحظات ذهول .. أتذكر نظرات الطبيب ، و أتخيل نفسي بلا (أب) .. بلا رجل ظل يلهمني ، إلى آخر لحظات وعيه . شعرت أني انفصلت عن الدنيا .. ثم استيقظت على صوت إحدى الممرضات .. تصرخ :
- المؤشر ينحدر بسرعة ..
سادت دقيقة صمت ، وجدت الطبيب بعدها ، يقف عندي ، يحمل في عينيه بقية من نظراته الأولى .. و يقول :
- توقف قلبه .. عظم الله أجركم، وجبر مصيبتكم . هذه أيام فضيلة .. اُدعوا له .
إذن كانت رحلة القلب الأخيرة . كان يحاول فيها .. أن يصعد ، ليحافظ على (قلوب) وراءه .. كثيرة ، من الانهيار . عجزت أن أرفع يدي ، لأرى الوقت .. الساعة المعلقة على الحائط ، كانت تشير إلى الواحدة و سبع و أربعين دقيقة . لاحظت ذلك ، قبل أن تمتليء عينيّ ، فلم أعد أرى شيئا .. حولي ، حتى الطبيب الواقف أمامي .
انصرف .. و أصدر تعليمات لبعض من كان معه ، لم أدرك منها شيئا . كنت غارقا في حالة ذهول . نهضت .. و ذهبت باتجاه السرير رقم (9) . إحدى الممرضات كانت مشغولة بنزع الأجهزة من جسد ، كان قبل قليل فيه حركة . كل شيء صمت :
الأجهزة ، و الجسد .. و الروح التي كانت تحوم في المكان .
طلبت من الممرضة أن تؤجل عملها ، و تتركنا وحدنا . سحبت الستارة ، و أغلقتها علينا .. أنا و هو . نظرت إلى عينين نصف مفتوحين ، و وجه ساكن . لا يرف .. لكنه لم يكن جامدا . وضعت كفي على جبينه ، و أمسكت بكفه .. كان دافئا . مثل قلب كنت ألوذ به ، كلما اشتد الصقيع .. و هبت رياح التوحش . أخذت أنظر إليه ، من أكثر من زاوية .. رأيت (قلباً) كبيرا ، تموت بموته أرواح .. و تغيب قيم ، و أخلاق فرسان ، و وجدتني أقف برهبة .. و بجلال ، ثم أقبل جبينه :
- طبت حيا و ميتا يا أبي .. طبت حيا و ميتا ..
استحيت أن أعطيه ظهري ، فمشيت إلى الوراء .. و غادرت ..
الساعة الآن .. الثانية و عشر دقائق صباحاً .
خرجت إلى الشارع .. الظلام يحيطني من كل جانب . لم يفلح الضوء .. المتدفق من أعمدة الإنارة ، و لا من انوار السيارات ، في مدينة لا ينام أكثر أهلها ، في ليالي رمضان .. في أن يضيء قلبي ، الذي انطفأ .. برحيله . أرسلت رسالة جوال ، إلى أربعة أرقام : " أنعي لكم حبيبي .. لقد رحل إلى الرفيق الأعلى ، ما أطول الليل بعده ..! " .
عدت أفكر بأمي ، و برجل سيروّعه رحيله . كنت ما أزال أؤمن ، بأننا يجب ان نفصل بين المهني و الأخلاقي . كيف سيكون حال (إبراهيم) ، إذا جاءه النعي .. لم يصلّ عليه ، و لم يدفنه .. و لم يتلق فيه كلمة عزاء .. ؟ فوق قهر السجن .. فقد حبيب ، و عذاب .
كنت مؤمنا أنه سيستجيب ، و انه أكثر من سيقدر (نظريتي) ، في الفصل بين الأخلاقي والمهني . صورة إبراهيم تلح علي .. ثاوياً في زنزانته ، يبلغه الخبر بطريقة آليّة ، فيغيض الدم في وجهه ، و تذوي روحه . سحبت جوّالي من جيبي .. و اتصلت ، فرد عليّ موظف (السنترال) :
- السلام عليكم .. أقدر أكلم الأمير محمد بن نايف ، لو سمحت .. ؟
- من الذي معي .. طال عمرك ؟
ذكرت له اسمي ، و أكدت له أن الأمر عاجل و ضروري . غاب عني لحظات ، ثم عاد ليقول ، أن الأمير مشغول . اتصلت بمدير المكتب ، الذي عرف صوتي . أخبرته بخبر الوالد ، و رغبتي بأن استأذن الأمير ، بخروج إبراهيم من السجن ، ليصلي على الوالد ، و يشارك في دفنه ، ويتـــــــقبل فيه العزاء . وعــد أن يبلغ طلبي للأمير .. و يــرد علي . بعد 5 دقائق ، حطم رنين الجوال ، جمود الصمت ، الذي خيم على روحي :
- ألو .. نعم ..
- فلان .. ؟
- نعم ..
- كلم .. لو سمحت ، سمو الأمير محمد بن نايف .
عزّاني بأبي . قلت له ، إن المصاب على قلبي جلل .. أحتاج إبراهيم ، ليكون معي ، في هذه اللحظات . لم أحتج لكلام كثير لأقنعه . فوجئت به يقول :
- لن تكون هناك أوراق ، هو بضمانك .. كلمتك تكفي .
وصلت البيت .. و انتظرت صلاة الفجر . بعد الصلاة جئتها .. كانت في مُصلاها . خائف عليها ، لا أدري ما أقول . ذكرت لها أني مررت عليه البارحة .. حيث تعب كثيرا ، فاتصل بي المستشفى .. ثم أضفت :
- وضعه صعب يا أمي .. صعب جدا ، و حالته خطرة .
لم ترد .. بل أغمضت عينيها .. و همست :
- له الأمر من قبل و من بعد ..
جعلتها تقرأ الحقيقة في وجهي ، وعينيّ .. قبل أن أقول لها :
- أمي .. أبي يطلبك الحِل ّ .. عظم الله أجرك فيه .. رحل إلى الكريم الرحيم .. البارحة .
أطلقت آهة ، و فتحت عينيها على إتساعهما ، و هي تردّد : " إنّا لله ، و إنّا إليه راجعون .. لعلك للجنّة يا ابو محمد .. لعلك للجنّة .. " .
ضممتها إلى صدري .. و حين سكنت ، أخبرتها أني أخذتُ إذناً لابراهيم ، ليخرج ويصلي عليه .. فأشرقت من بين معالم الحزن ، في وجهها .. علامات فرح . حين عدت للبيت ، استقبلتني زوجتي ، و أخبرتني أن ( المباحث ) على الهاتف :
- نعم ..
- جاءنا توجيه من الأمير محمد ، بخصوص شقيقك ابراهيم .. متى ستأتي لاستلامه ..؟
- الآن ..!
- الوقت المسموح بخروجه ، 12 ساعة فقط .
- إذن .. آتيكم قبل الظهر .. لأننا سنصلي على الوالد ، رحمه الله ، بعد صلاة العصر .
قبيل الظهر كنت في (عليشة) . أحضروا ابراهيم ، و لم يكن يعلم عن شيء . أخبرته .. غشيته موجة من الحزن ، و انخرط بنوبة بكاء ، وقّعت على أوراق ، ووعدٍ ، بأن التزم بما فيها .. وخرجنا .
توجهنا إلى المستشفى . حررنا شهادة (الوفاة) .. غَسّلناه ، وَكَفّنّاه . بروحي .. ذلك الجسد الطاهر ، يتقلب بين أيدينا .. و يصدق فيه قول الشاعر :
" ... و قد كنتُ قبل اليوم .. صعبا قياديا " .
بيننا .. و بين صلاة العصر ، و قت قصير . أمي و الأخوات ، أصْرَرْنَ على (رؤية وداع) .. فاتجهنا إلى البيت . رأته أمي ، و رأت ابراهيم . إمرأة توزع قلبها ، بين وداع (حبيب) .. و رؤية (حبيب) ..!
لك الله .. من قلب ، كُتِب عليه العناء ..!
صلينا عليه .. و وقفت على القبر ، يهيلون عليه التراب ، و أعد ذراته .
كأنّ غيبة الروح .. التي غادرت للأبد ، لا تكفي لتفصل بيننا ..؟ كأنّ الحِمْل و المسؤولية ، التي تركها ، رجلٌ (كبير) مثله .. ليحملها رجلٌ (صغير) مثلي ، لا يكفي ، لأعرف جسامة البرزخ الذي يفصلنا ..؟
في الساعة الثانية عشرة .. منتصف الليل ، كنت في طريقي لـ (عليشة) .. ابراهيم إلى جانبي .. و الحزن معنا ، و أم جريحة .. تركناها وراءنا .
الأربعاء 20 رمضان 1425 هـ :
الساعة الواحدة صباحا ، كنتُ في طريق الملك فهد .. عائداً ، متّجهاً شمالا .
المستقبل المجهول ، بأضعاف امتداد الطريق ، و بأضعاف سِعَته .. (وَحـِـيدٌ) ، بلا رجال :
رجل أَوْدعتُه الثّرى.. و رجلٌ نزل ، يمشي على قدميه، إلى زنزانته .. وتركني.
د. محمد الحضيف