السياسة الحربـية:
ولما تقارب الفريقان، تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبى سفيان ومعهما ضرار بن الأزور والحارث بن هشام وأبو جندل بن سهيل ابن عمرو، ونادوا: إنما نريد أميركم لنجتمع له. فلما ذهبوا إلى (تذارق) أراد أن يجلسهم على فرش من حرير فرفضوا، وجلس هو معهم حيث شاءوا، فعرضوا عليه إما الإسلام وإما الجزية وإما الحرب، ولكن الروم آثروا الحرب على الإسلام والجزية.
عز الإسلام:
ثم طلب ماهان خالد بن الوليد ليبرز له فيما بين الصفين، فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم إلا الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطى كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعامًا وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها. فرد عليه خالد قائلا: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنَّا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب.
بداية ونهاية:
وتقدم خالد إلى عكرمة بن أبى جهل والقعقاع بن عمرو، وهما على جانبى القلب، وأمرهما ببدء القتال، وهكذا بدأت المعركة، وكان ذلك فى أوائل رجب عام (13 هـ)، وحملت ميسرة الروم على ميمنة المسلمين، فمالوا إلى جهة القلب، ثم تنادى المسلمون فتراجعوا، وحملوا على الروم وردت النساء من فر، ثم نادى عكرمة بن أبى جهل قائلا: قاتلت رسول الله ( فى مواطن، وأفر منكم اليوم! وبايعه جماعة من الصحابة على الموت، وصل عددهم إلى 400 رجل، وقاتلوا أمام فسطاط خالد، فجرحوا جميعًا، ومات بعضهم، ثم حمل خالد بن الوليد بالخيل على ميسرة الروم التى حملت على ميمنة المسلمين، فأزالوهم إلى القلب، وقتل المسلمون فى حملتهم هذه 6000 من الروم، ثم حمل خالد بمائة فارس على ما يقرب من 100000 من الروم، فانهزم الروم أمامهم بإذن الله تعالى، ولما عاد المسلمون من حملتهم جاء صاحب البريد إلى خالد بوفاة أبى بكر وتولية عمر، وكتب إليه بعزله عن قيادة الجيش وتولية أبى عبيدة، وكان يكلمه سرّا، فقال له خالد: أحسنت. وأخفى الخبر حتى لا تحدث زعزعة فى صفوف المسلمين.
وبينما كان القتال على أشده بين جيش الإسلام وجيش الروم، خرج "جرجة" -أحد أمراء الروم الكبار- من الصف، واستدعى خالد بن الوليد، فجاء إليه حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة: يا خالد، أخبرنى فاصدقنى ولا تكذبنى، فإن الحُرّ لا يكذب، ولا تخادعنى، فإن الكريم لا يخادع، هل أنزل الله على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاه لك، فلا تسلَّه على أحد إلا هزمته؟
قال: لا! قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيّا، فدعانا، فنفرنا منه، ونأينا عنه جميعًا، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لى: "أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين"، ودعا لى بالنصر، فسميت سيف الله بذلك؛ فأنا من أشد المسلمين على المشركين.
فقال جرجة: يا خالد إلى ما تدعون؟
قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله -عز وجل-.
قال: فمن لم يجبكم؟
قال: فالجزية ونمنعهم (نحميهم).
قال: فإن لم يعطها؟
قال: نؤذنه بالحرب ثم نقاتله.
قال: فما منزلة من يجيبكم ويدخل فى هذا الأمر اليوم؟
قال: منزلته واحدة، فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا.
قال جرجة: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم؟
قال: نعم وأفضل.
قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟
فقال خالد: لقد قبلنا هذا الأمر، وبايعنا نبينا وهو حى بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتاب، ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل فى هذا الأمر بحقيقة دينه كان أفضل منا.
فقال جرجة: بالله لقد صدقتنى ولم تخادعنى؟
قال: تالله لقد صدقتك، وإنَّ الله ولىّ ما سألت عنه من الإسلام.
ودخل جرجة الإسلام فأخذه خالد إلى خيمته، وصب عليه قربة من ماء، ثم صلى به ركعتين ورجعا إلى المعركة يضربان بسيفيهما من بدء ارتفاع النهار حتى غروب الشمس، وأصيب جرجة رحمه الله، فمات شهيدًا، ولم يكن صلى لله -عز وجل- غير هاتين الركعتين مع خالد. بعد أن فر الروم ليلا إلى الواقوصة.
وتم الفتح المبارك، وانهزمت الروم هزيمة بالغة، علم بها هرقل، وارتحل من حمص.
لقد كان المسلمون رجالا لا يثبت لهم العدو رغم قلتهم، ولقد انهار هرقل وهو يرى هزيمة الروم رغم كثرتهم، فقال لقواده: ويلكم أخبرونى عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونك أليسوا بشرًا مثلكم؟
قالوا: بلى.
قال: فأنتم أكثر أم هم؟
قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن.
قال: فما بالكم تنهزمون؟
فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم.
ومن أجل أنا نشرب الخمر ونزنى، ونركب الحرام وننقض العهد، ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط، وننهى عما يرضى الله، ونفسد فى الأرض.
فقال هرقل: أنت صدقتنى.
وكان تعداد الجيوش التى سيرت إلى الشام سبعة وعشرين ألفًا، ولكنها زيدت بوصول جيش خالد إلى ستة وثلاثين.
وكان جيش الروم يقارب المائتين وأربعين ألفًا، ولكن الله نصر عباده رغم قلة عددهم، بسبب إيمانهم وقوة عقيدتهم.
منجزات أبى بكر:
كان عهد أبى بكر امتدادًا لعصر النبى (، لم يكن إلا متبعًا ومنفذًا لكل ما أشار به الرسول ( أو أمر به، لم يبتدع أبو بكر -رضى الله عنه- شيئًا يخالف ما كان عليه رسول الله (، بل كان كل شىء يسير وفقًا لشريعة الإسلام، وانشغل الناس فى فترة خلافته بقتال المرتدين والفتوحات الإسلامية.
ولم يبق فى المدينة إلا من استبقاهم أبو بكر لحمايتها، ولاستشارتهم ولتبادل الرأى معهم، وعلى رأس هؤلاء: عمر بن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص.
وكانت المدينة المنورة فى عهده عاصمة الدولة الإسلامية ومركز الحكم ومقر الخلافة.
قسم أبو بكر الجزيرة العربية إلى ولايات جعل على كل منها أميرًا، يؤم الناس فى الصلاة، ويفصل بينهم فى القضايا، ويقيم الحدود؛ فكان على "مكة" عتاب بن أسيد، وعلى صنعاء المهاجر بن أمية، وعلى عمان والبحرين العلاء بن الحضرمى.
وقد اتخذ الصديق عمر قاضيًا على المدينة، وجعل أبا عبيدة أمينًا على بيت مال المسلمين.
ولقد كانت فترة حكمه قصيرة، لكنها كانت حاسمة فى تاريخ الإسلام، فقد واجه أحرج المواقف، وربما وقف وحده عند إصراره على محاربة المرتدين فى وقت اتجه فيه باقى المسلمين إلى المسالمة، قائلين: كيف نحارب الجزيرة العربية كلها؟! لكنه بإيمانه ويقينه وصدقه سرعان ما ضم المسلمين إلى رأيه، ثم سار بهم جميعًا يدكّ صروح الشرك، ويقضى على الشكوك والأوهام!
ولم يتوقف عند هذا، بل راح يحطم قصور كسرى وقيصر.
رحم الله أبا بكر لقد تمثلت فيه كل المعانى الإسلامية الرائعة.
جمع المصحف:
استشهد كثير من حفظة القرآن وقرائه فى حروب الردة، وهنا أشار عمر -رضى الله عنه- على أبى بكر بضرورة جمع القرآن الكريم ؛ حيث كان مكتوبًا على سعف النخيل، وقطع الجلد، وألواح عظام الإبل، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت ومعه بعض أصحابه بتولى هذه المهمة العظيمة.
وقاموا بتدوين القرآن كله فى دقة متناهية بالترتيب الذى أمر به رسول الله (، ودون أى تغيير، وسموه مصحفًا.
إن القرآن هو دستور المسلمين، وقد تعهد الله بحفظه، وكان أبو بكر أول من أسهم فى هذا الحفظ رحمه الله.
موت الخليفة:
وفى هذا العام (13هـ/635م)، مرض أبو بكر، وظل المرض ملازمًا إياه طيلة شهر، ثم عهد بالخلافة لعمر بن الخطاب بعد أن استشار كبار الصحابة.
وبعد ذلك، لقى ربه راضيًا مرضيًّا، وكانت ولايته -رضى الله عنه- سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، وصعدت روحه إلى الرفيق الأعلى وله من العمر ثلاثة وستون عامًا.
وكان آخر ما تكلم به
تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين [يوسف: 101]. ولم يترك ثروة طائلة، وإنما ترك ذكرى طيبة. وحسبه أنه جمع المسلمين، ووحّد كلمتهم، وأمَّن حدود الدولة، ولقَّن الأعداء درسًا لا يُنسى
(13 - 23 هـ/ 634- 643م )
الاختيار:
رحم الله أبا بكر، لقد قال فيه عمر يوم أن بويع بالخلافة: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده.
ولقد كان عمر قريبًا من أبى بكر، يعاونه ويؤازره، ويمده بالرأى والمشورة، فهو الصاحب وهو المشير.
وعندما مرض أبو بكر راح يفكر فيمن يعهد إليه بأمر المسلمين، هناك العشرة المبشرون بالجنة، الذين مات الرسول ( وهو عنهم راضٍ.
وهناك أهل بدر، وكلهم أخيار أبرار، فمن ذلك الذى يختاره للخلافة من بعده ؟ إن الظروف التى تمر بها البلاد لا تسمح بالفرقة والشقاق؛ فهناك على الحدود تدور معارك رهيبة بين المسلمين والفرس، وبين المسلمين والروم. والجيوش فى ميدان القتال تحتاج إلى مدد وعون متصل من عاصمة الخلافة، ولا يكون ذلك إلا فى جو من الاستقرار!
إن الجيوش فى أمسِّ الحاجة إلى التأييد بالرأى، والإمداد بالسلاح، والعون بالمال والرجال، والموت يقترب، ولا وقت للانتظار، وعمر هو من هو عدلا ورحمة وحزمًا وزهدًا وورعًا.
إنه عبقرى موهوب، وهو فوق كل ذلك من تمناه رسول الله يوم قال: اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، عمر بن الخطاب وأبى جهل بن هشام" [الطبرانى]، فكان عمر بن الخطاب. فلِمَ لا يختاره أبو بكر والأمة تحتاج إلى مثل عمر؟! ولم تكن الأمة قد عرفت عدل عمر كما عرفته فيما بعد، من أجل ذلك سارع الصديق -رضى الله عنه- باستشارة أولى الرأى من الصحابة فى عمر، فما وجد فيهم من يرفض مبايعته، وكتب عثمان -رضى الله عنه- كتاب العهد، فقرئ على المسلمين، فأقروا به وسمعوا له وأطاعوا.
إنه رجل الملمات والأزمات، لقد كان إسلامه فتحًا، وكانت هجرته نصرًا، فلتكن إمارته رحمة، ولقد كانت؛ قام الفاروق عمر بالأمر خير قيام وأتمه، وكان أول من سمى بأمير المؤمنين.
وبدأت الدولة الجديدة فى عهده تتسع رقعتها، ولم تعد مقصورة على مكة والمدينة وما حولهما من القرى، لكنها أصبحت تضمُّ شبه الجزيرة العربية، وتمتد لتشمل بعض المدن فى العراق والشام.
وها هى ذى الجيوش الإسلامية تواصل زحفها المبارك لإعلاء كلمة الله، وتنتقل من نصر إلى نصر، هناك شعوب مقهورة مظلومة تحت حكم الفرس والرومان تتطلع إلى من يأخذ بأيديها، ويخلصها من القهر والظلم.
وهناك فى العراق، والشام، ومصر، وشمال إفريقية، شعوب تعانى من الظلم والطغيان، والآن راحت تتطلع إلى غد يسود فيه العدل والأمان. وعمر العادل خير من يحمل الراية فى هذه الظروف، وكأنما أعده النبى ( لهذا اليوم الموعود فهو مثال العدل والرحمة فى الإسلام !
لقد اقترن اسم عمر بدولة الفرس ودولة الروم، وسمى عصره عصر الفتوحات الإسلامية.
تعديل فى القيادة:
فى البدء وجه عمر -رضى الله عنه- اهتمامه إلى الجيوش المحاربة؛ لأنه يريد لها أن تنتصر، ويريد لكلمة الله أن تعلو وتنتشر، ويود أن يكون مع الجنود فى صفوف القتال لولا أن أهل الشورى نصحوا له أن يختار من ينوب عنه؛ ليظل بعاصمة الخلافة حيث تقتضى المصلحة العامة وجوده.
أصدر عمر -رضى الله عنه- أوامره بتعيين أبى عبيدة بن الجراح قائدًا عامّا للقوات الإسلامية فى الشام، فى نفس الوقت الذى أمر فيه بعزل خالد بن الوليد من إمارة الجيش حتى لا يفتتن الناس به.
ولقد قابل خالد الأمر بالطاعة فهو جندى فى صفوف جيش الإسلام، والجندية طاعة، فليضعه الخليفة حيث يشاء، وما عليه إلا أن يطيع، إن خالدًا لا يهمه أن يكون فى مركز القيادة، يكفيه أن يكون جنديَّا فى صفوف المسلمين، يجاهد فى سبيل الله، رافعًا راية الإسلام، فراح يحارب فى جلد وإخلاص تحت إمرة القائد الجديد.
فتح دمشق:
وكانت المعركة الثانية بين المسلمين والروم حول دمشق، لقد أحاط المسلمون بالمدينة، وتحصن الروم بها، وأغلقوا أبوابها، خالد بجنوده على الباب الشرقى، وأبو عبيدة على باب الجابية (الجولان)، وعمرو بن العاص على باب توما، وشرحبيل بن حسنة على باب الفراديس، ويزيد بن أبى سفيان على الباب الصغير، كانت دمشق ممتنعة غاية الامتناع، وطال بها الحصار، واشتدت الحال على الجميع، وكان أهل دمشق يرسلون إلى ملكهم هرقل يطلبون مددًا فلا يصل إليهم لقوة حصار المسلمين لها، وهنا فشل أهل دمشق وضعُفوا وقَوِىَ المسلمون، وقدّر الله أن وُلِد لبطريق دمشق مولود فى إحدى الليالى، فصنع للناس طعامًا، وسقاهم شرابًا، وباتوا عنده فى وليمته قد أكلوا وشربوا وتعبوا، فناموا عن مواقعهم واشتغلوا عنها، وفطن لذلك خالد وهو على الباب الشرقى، فقد كان قائدًا يقظًا لا تفوته فائتة، فأعد سلالم من حبال، وجاء هو وأصحابه من الصناديد الأبطال مثل: القعقاع بن عمرو، ومذعور بن عدى وغيرهما، وقد أحضر جيشه عند الباب، وقال لهم: إذا سمعتم تكبيرنا عند السور فاصعدوا إلينا. وقام هو وأصحابه فقطعوا الخندق سباحة، وفى أعناقهم جعبة النبال، فنصبوا السلالم وصعدوا فيها ولما استندوا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير، وجاء المسلمون، فصعدوا فى تلك السلالم، وانحدر خالد وأصحابه الشجعان إلى البوابين، فقتلوهم وفتحوا الأبواب، فدخلت جيوش المسلمين، والتكبير يجلجل المكان ويضىء جنباته بنور جديد، هو نور الإسلام.
وهكذا دخلها خالد من الباب الشرقى قسرًا وقهرًا، ودخلها أبو عبيدة من باب الجابية مسالمًا، وكان ذلك سنة 13هـ / 635م.
إن دمشق حصن الشام، وبيت مملكتهم، وها هى ذى قد سقطت فى أيدى المسلمين.
موقعة فحل:
وتقدم المسلمون بعد ذلك نحو "فحل"، فقاتل المسلمون الروم أشد قتال، فانهزم الروم وهم حيارى لا يجدون ملجأ ولا مهربًا، فأصيبوا جميعًا وكانوا ثمانين ألفًا لم ينج منهم إلا القليل.
فتح بــيت المقدس:
ثم واصل أبو عبيدة تقدمه نحو حمص، وترك يزيد بن أبى سفيان ليتجه نحو بلاد ساحل دمشق، وظل القادة المسلمون يفتحون المدن واحدة بعد أخرى، ولم يبق أمام المسلمين إلا بيت المقدس، وله فى نفس المسلمين مكانته واحترامه، وقداسته، فإليه كان إسراء الرسول (، ومنه كان معراجه. وإليه كانت قبلتهم الأولى.
وقد دافع عنه الروم دفاعًا مستميتًا ألحق بجنود المسلمين كثيرًا من الخسائر لكنهم صبروا وتحملوا، ليخلِّصوا بيت المقدس وأهله من حكم الرومان وظلمهم.
وكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى القدس، فلما وصل إلى "الرملة" وجد عندها جمعًا من الروم عليه قائد داهية اسمه (الأرطبون) كان أدهى الروم، وكان قد وضع "بالرملة" جندًًا عظيمًا و"بإيلياء" جندًا عظيمًا، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر، فلما جاءه كتاب عمرو قال: رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب- يعنى عمرو بن العاص.
ظل عمرو يتربص بالأرطبون زمنًا فلا يجد فرصة لذلك، وكان يرسل إليه الرسل ليعرف أمره فلا تشفيه الرسل، فقرر أن يلقاه بنفسه مدَّعيًا أنه رسول عمرو بن العاص إليه.
دخل عليه وأبلغه ما يريد، وسمع كلامه وتأمل حضرته، وقال الأرطبون فى نفسه: والله إن هذا لعمرو أو أنه الذى يأخذ عمرو برأيه. فقرر قتله، وأحس عمرو بذلك فقال للأرطبون: أيها الأمير إنى قد سمعت كلامك وسمعت كلامى، وإنى واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالى لنشهد أموره، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك، ويروا ما رأيت.
فطمع الأرطبون أن يقتلهم جميعًا، فقال له: نعم فاذهب فأتنى بهم، فقام عمرو فذهب إلى جيشه، وعلم الأرطبون بعد ذلك أن الرسول كان عمرًا، فقال: خدعنى الرجل، هذا والله أدهى العرب.
وكان أبو عبيدة لما فرغ من دمشق قد كتب إلى أهل بيت المقدس يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام أو يدفعون الجزية، وإلا كان الحرب بينهم، فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه، فركب إليهم فى جنوده، وحاصر بيت المقدس، وضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح.
وأحس أرطبون قائد الروم بهذه المناورات تدور حوله فهرب إلى مصر، وطلب المسيحيون الصلح على أن يحضر الخليفة بنفسه لتسلم المدينة، ويتعهد لسكانها بالحرية الدينية، فكتب عمرو إلى عمر يحيطه علمًا بذلك، فحضر عمر، وكتب بنفسه كتاب الأمان المسمى "العهدة العمرية".
وفى تلك الأرض المباركة أقام عمر -رضى الله عنه- مسجدًا من الخشب فى خرائب كانت عند الصخرة المقدسة، بعد أن طهره من القمامة التى كان الروم يلقونها عليه، ثم عاد إلى المدينة المنورة فى سنة 16هـ / 677م.. لقد قضى على حكم الروم فى هذه البلاد، وراحت الجيوش الإسلامية تواصل زحفها لتطهير البلاد من فلول الروم.
فتح مصر:
وها هى ذى جيوشهم تفر أمام الجيوش الإسلامية وتهرب إلى مصر، لقد قدم المسلمون آلاف الشهداء فى حروبهم ضد الروم فى سوريا وفلسطين، فصارت هذه الديار غالية عليهم، ولن يحس المسلمون بالاستقرار فى سورية وفلسطين، وهناك جيش كبير للروم على مقربة منهم، لقد اتخذوا من مصر مركزًا لتجمعهم، وأصبح وجودهم خطرًا يهدد جيش الشام. من أجل هذا استأذن عمرو بن العاص الخليفة فى فتح مصر.
وسارع عمرو إلى مصر فتم له فتحها سنة 20هـ/ 641م، وولاه عمر عليها يرتب أمورها، وينظم أحوالها، ومن مصر تحرك جيش المسلمين غربًا إلى برقة فى ليبيا، وجنوبًا إلى بلاد النوبة لفتحهما.
وبنى عمرو بن العاص الفسطاط لتصبح عاصمة مصر الإسلامية، وأقام بها الجامع الذى عرف فيما بعد بجامع عمرو، وارتفعت كلمة التوحيد فى سماء مصر، لتكون منارة مسلمة على مر الأجيال.
إن مصر هى كنانة الله فى أرضه، وجندها خير أجناد الأرض، وبفتح مصر أصبحت بلاد الشام آمنة، وزال الخطر الذى كان يهدد الجيش الإسلامى بعد أن استسلم الروم، وفروا هاربين إلى بلادهم.
عودة إلى جبهة الفرس:
كان اهتمام المسلمين بغزو الروم يفوق اهتمامهم بغزو فارس؛ فالروم بدءوا بالشغب والعدوان على الحدود، والشام وفلسطين ومصر أراض احتلتها الروم، لكنها كانت تترقب إلى الخلاص من بين أنياب هذا المستعمر الظالم، وكان المسلمون يعلقون الآمال على أن يجدوا من أهل هذه البلاد بعض المساعدة لطرد هؤلاء المستعمرين القساة، وقد تحقق لهم ما أرادوا.
موقعة البويب:
وفى عهد عمر كانت كفة المسلمين قد رجحت على الروم بعد انتصارهم فى معركة "أجنادين"، فاتجه عمر -رضى الله عنه- إلى معاودة الزحف على بلاد الفرس.
فبعث أبا عبيدة بن مسعود الثقفي، وأمر عمر -رضى الله عنه- المثنى بن حارثة أن يكون فى طاعة أبى عبيدة.
وسار أبو عبيدة حتى عبر الفرات بمن معه من المسلمين، وهناك دارت معركة عظيمة هى معركة "الجسر" استشهد فيها القائد أبو عبيدة الثقفى وعدد كبير من المسلمين، بعد أن انتصروا على أهل فارس أولا فى عدة مواقع سابقة.
أرسل عمر -رضى الله عنه- إلى فارس جيشًا يقوده المثنى بن حارثة، وقد حقق المسلمون فى هذه الموقعة انتصارًا رائعًا، فقد قُتل "مهران" قائد جيش الفرس فى المعركة هو وكثير من أتباعه، وتلك كانت وقعة "البويب" وقد سماها المسلمون "الأعشار" لأن كثيرًا من المسلمين قتل كل واحد منهم عشرة من الفرس.
وفى "القادسية" التقى الفرس والمسلمون، قاد المسلمين سعد ابن أبى وقاص، وقاد الفرس رستم، وفر رستم وعشرات الآلاف من جنوده، وغنم المسلمون غنائم كثيرة بعد أن استمرت المعركة عدة أيام.
وتساقطت مدن فارس فى أيدى الجيش الإسلامى تساقط الثمرات واحدة بعد أخرى، وكان انتصار المسلمين فى القادسية دافعًا لهم إلى مواصلة الزحف على العاصمة "طيسفون" التى سماها العرب "المدائن"، ويشتد القتال ضراوة، ويهدم الفرس الجسور حتى لا يستطيع العرب عبور نهر دجلة، ولكن المسلمين سرعان ما عبروا النهر بخيولهم، وهنا اضطرب الفرس وأحاطت بهم الهزيمة، وهرب "يزدجرد بن شهريار" إلى حلوان بأرض فارس.
وسقطت العاصمة الفارسية العريقة فى أيدى المسلمين، وكان سقوط العاصمة فى العام السادس عشر من الهجرة، (637م). إنهم لم يقبلوا مع العرب صلحًا، ورفضوا أن يدفعوا الجزية، وفضلوا عبادة الكواكب والنار والمجوسية على دين الله، وأعلنوا عداءهم واستعدادهم لقتال المسلمين، إذن لم يبق إلا الحرب.
معركة جلولاء:
لقد هرب "يزدجرد" ليعد عدته للقاء آخر، وراح يعسكر بمنطقة "جلولاء"، والإمدادات تنهال عليه، والجنود يقومون بحفر الخنادق حول معسكره، ولكن المسلمين يقتحمون عليهم خنادقهم، وتدور معركة من أعنف المعارك، وثبت المسلمون حتى كُتِبَ لهم النصر، وكان قائد المسلمين فى معركة جلولاء "هاشم بن عتبة" ويهرب "يزدجرد" مرة ثانية؛ حيث ترك حلوان وفر إلى الري، ولم يبق إلا فتح الفتوح "موقعة نهاوند" إنها آخر محاولة يقوم بها "يزدجرد".
نهاوند:
لقد جمع الكثير من الجيوش التى استماتت فى الدفاع والحرب، ولكن المسلمين هزموهم بإذن الله، لقد عزل عمر سعد ابن أبى وقاص، وولى مكانه النعمان بن مقرن وقد سقط النعمان شهيدًا بعدما رأى بشائر الفتح لاحت فى الأفق، فأخذ الراية أخوه نعيم، وناولها " حذيفة بن اليمان" وأشار عليهم المغيرة بن شعبة بكتمان خبر استشهاد الأمير حتى لا يرتاب الناس، فلما تم النصر على المشركين، جعل الناس يسألون عن أميرهم، فقال أخوه: "هذا أميركم، لقد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة". فاتبع الناس حذيفة ودخل المسلمون نهاوند بعد هزيمة الفرس، وكان العرب يسمون فتح نهاوند "بفتح الفتوح".
وبعد نهاوند تقدمت الجيوش الإسلامية لتستولى على المدن المجاورة، وخضعت لهم منطقة "أذربيجان"، وكانت هذه الانتصارات الباهرة سببًا فى إضعاف الروح المعنوية عند الفرس.
لقد استسلم عدد كبير منهم ومالوا إلى الصلح، واستسلم عدد كبير منهم عنوة وقهرًا، ولم يستطع "يزدجرد" مقابلة المسلمين فى قوة كما فعل فى الماضي، وظل أمره فى نقصان حتى قتل بخراسان سنة 31هـ/ 652م، فى عهد عثمان -رضى الله عنه- وبموته انتهت دولة (آل ساسان).
لقد دانت بلاد الشام للإسلام، ودانت بلاد الفرس للإسلام، حتى أصبح عصر عمر بن الخطاب بحق هو عصر الفتوحات الإسلامية.
فلم يكد المسلمون يستقرون هنا وهناك حتى أرسل سعد بن أبى وقاص أحد قادته وهو عياض بن غنم إلى أرض الجزيرة ؛ حيث تجمع جند الروم فى أعلاها فافتتح هذه البلاد. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استمرت الدولة الإسلامية فى عهد عمر تواصل فتوحها، والجند ينشرون الدعوة، والجهاد لا تنطفئ شعلته.
.
يتبع بعون من الله وحده.