في اليوم التالي كنت مستعدا مرتديا بذلة رسمية كحلية اللون .. لحسن الحظ كنت قد اشتريت واحدة قبل بضع شهور .. فأنا وبكل صراحة لا احب ارتداء الزي الوطني ( الدشداشه ) على الإطلاق .. ليس لشيء سوى أنني اشعر انه يعوق الحركة كثيرا عند ارتدائه .. دعك من أن المدير قد طلب مني ارتداء بذلة لان الحفل على قوله رسمي جدا وسيكون جميع المدعوين تقريبا مرتدين بذلات رسمية ..
وقبل الساعة السابعة بدقائق كانت سيارة المدير بانتظاري .. فاستأذنت جدتي بالذهاب وأخبرتها بأنني قد أتأخر قليلا ..
نزلت من الشقة لاجد بانتظاري مفاجأة .. فقد كان الأستاذ ( إبراهيم ) بصحبة زوجته التي لم اكن اعلم أنها ذاهبة هي الأخرى إلى الحفل .. الأمر الذي جعلني اركب السيارة بارتباك وخجل واضحين .. وقام بتقديمي لزوجته السيدة ( أوراد ) التي رحبت بي بحرارة وكان واضحا انه حدثها عني كثيرا ..
كانت امرأة في الخمسين من عمرها على اقل تقدير ملامحها تبعث الى الارتياح وتبدو عليها الطيبة الشديدة .. كانت نحيفة الجسد تبدو بصحة جيدة للغاية وترتدي حجابا أنيقا وفستانا ينم عن ذوق رائع كما لاحظت لاحقا بعد أن نزلنا جميعا من السيارة - حتى أنني قلت في سري أنها جديرة بالفعل بزوج طيب محترم كالأستاذ ( إبراهيم ) واحسد أولادهما بالفعل على هذين الأبوين الرائعين وان كنت اجهل أن كان الله قد رزقهما بأولاد أصلا .
طوال الطريق كنت صامتا أجيب على أسئلتهما بأدب .. لقد اخبرني الأستاذ ( إبراهيم ) أن صديقة الدكتور ( علي ) هو من اقدم أصدقاؤه وانه بالغ الثراء .. وقد اشترى للتو مزرعة هائلة في منطقة ( الوفرة الزراعية ) .. وان زوجته فرنسية الجنسية تزوجها منذ فترة قصيرة بعد أن ظل أرملا اكثر من عشر سنوات .. ولم يرزقه الله أي أولاد من زوجته الأولى .. تحدثنا بعدها عن أمور أخرى جانبية ألي أن اصبح الصمت سيد الموقف بعد أن مللنا الحديث ونحن متوجهين الى منطقة الوفرة الزراعية التي تبعد عن شقتي مسافة ساعة وربع تقريبا حيث مزرعة الدكتور ( علي ) .
صمت مطبق سوى صوت المذياع الذي يبث أغنية ( وحياة قلبي وأفراحه ) لـ ( عبد الحليم حافظ ) .. دائما اشعر أن أيام ( عبد الحليم حافظ ) مليئة بالحب والمودة وان الدنيا كانت كما يقال بخير اشعر دائما بهذا الشعور حين استمع إلى أغاني ( أم كلثوم ) و ( عبد الحليم ) و ( عوض دوخي ) .. كان الناس في تلك الأيام السعيدة بسطاء طيبون كما يقول الجميع حتى أنني أحيانا أتمنى لو كنت قد عشت في ذلك الزمان في فترة الخمسينيات او الستينيات ..
غارقا في خواطري وأنا أتأمل الطريق .. الازدحام الشديد والفوضى في بعض الشوارع تجعلني أتحسر على حالنا بالفعل وظللت غارقا في تلك الخواطر حتى وصلنا الى مزرعة الدكتور ( علي ) .
كانت المزرعة رائعة هائلة الحجم بالفعل تم الاعتناء بها بكل دقة فكانت اقرب إلى حديقة لإحدى القصور أو القلاع الأوروبية الأثرية التي نشاهدها في الصور .. حتى أننا دخلنا إلى المزرعة بالسيارة لمسافة تتجاوز المائة متر تقريبا قبل أن نصل إلى المنزل الذي بناه الدكتور في وسط المزرعة وأنني أتساءل حقا .. كيف سيبدو منزل الدكتور ( علي ) ومحل اقامتة الدائم ان كانت هذه مزرعته فحسب والتي تعتبر مكانا للراحة والاستجمام فقط ولـ ( تغير الجو ) كما نقول في ( الكويت ) .
نزلنا من السيارة ومشينا في ممر مرصوف يزدان على جانبيه بالزهور وحول الزهور حديقة خلابة معتنى بها جيدا هي الأخرى ..
وعند وصولنا فتح لنا الباب شخصا شديد الأناقة .. بدا واضحا انه هو الدكتور ( علي ) .. هيئته واعتداده الواضح بنفسه جعلني متأكد انه هو الطبيب الثري صاحب المزرعة .. ولم اكن مخطئا فقد كان هو بالفعل .. نحيل الجسم كثيف الشعر يرتدي نظارات أعطته وسامة لا بأس بها وكان الشيب يملأ فوديه حتى بدا وكأنه طبيب يمثل دور البطولة في فيلما سينمائيا ولم يكن ينقصه سوى رداء الأطباء الأبيض الشهير..
قام بمصافحتنا بود واحدا تلو الآخر ليقوم بعدها بمعانقة الأستاذ ( إبراهيم ) مما دل فعلا على عمق صداقتهما ..
- كان لابد أن أدعوك إلى مزرعتي كي أراك .. لا اصدق أنني لم أر افضل أصدقائي منذ سنتين يالك من جاحد .. كيف تنسى صديق الطفولة ؟! ..
يقولها بمرح وعتاب ..
ويرد عليه الأستاذ ( إبراهيم ) بمرح أيضا :
- إنها مشاغل الدنيا التي تسرقنا من أصدقائنا وأحبابنا ..
دخلنا بعدها الى صالة المنزل الرئيسية لنجد اكثر من ثلاثون ضيفا وضيفة .. لم اقم بعدهم طبعا لكن الانطباع العام ..
كان أول مالفت انتباهي في هذا المنزل الكبير هو النمط الأوروبي الذي بدا واضحا في كل ركن من أركانه .. فقد كان الأثاث من الطراز الأوروبي القديم شديد الفخامة .. وكان يعج بالتحف واللوحات الفنية الثمينة هائلة الحجم ..
بل أن المنزل نفسه كان بحد ذاته تحفة فنية اللون .. اللون الأزرق الهادئ الذي يمتزج مع ألوان أخرى .. لتعطي لونا واحدا ينساب بظلال هادئة جميلة .. ولا توجد أريكة أو كرسي أو قطعة أثاث ليست في مكانها الصحيح .. مع نباتات زينة رائعة لم أر معظمها من قبل .. كل شيء في منتهى الروعة والجمال وبالطبع فان هذا الجو جديد تماما بالنسبة لي .. إذ لم احضر حفلا من قبل وحتى لو كنت قد فعلت فلا أظن أنني كنت سأحضر حفلا في مكانا راقيا فخما كهذا ..
وانتبهت إلى أنني اصغر الحاضرين سنا .. في حين تبين أن الباقين رجال أعمال وأطباء وبالطبع مدير مدرستنا الأستاذ ( إبراهيم ) وزوجته السيدة ( أوراد ) .
كان جميع المدعوين تقريبا من علية القوم إن اصح تعبيري ولم يفتني بالطبع أن انتبه لزوجة الدكتور ( علي ) الفرنسية فقد بدت لي وكأنها ابنته !! ..
كانت صغيرة السن .. جميلة .. بل فاتنة .. بيضاء البشرة رشيقة القوام تحمل على رأسها شعرا اسودا قصيرا .. وعرفت أن اسمها هو السيدة ( موريسا ) وكانت تتحدث اللغة الإنجليزية بشكل جيد وان كانت لكنتها الفرنسية ونطق حرف الراء ( غ ) واضحة جدا في كلامها .. ولا اعلم في الواقع سبب زواجها من الدكتور ( علي ) الذي هو في عمر أبيها .. هل الأمر متعلق بثروته ؟ هذا جائز ولكنه ليس من شأني بالطبع
يتبع