الحلقة السابعة:
أمور مستحدثة بعد عهد الصحابة:
نعرض هنا بمشيئة الله عز وجل بعض الآثار التي تدل على أمور مستحدثة وقعت بعد عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وتلقتها الأمة بالقبول:
1- تعدد الجمعة. قال البيهقي في السنن: لم ينقل أنه أذن لأحد في إقامة الجمعة في مسجد من مساجد المدينة، ولا في القرى التي بقربها. وقال ابن المنذر: لم يختلف الناس أن الجمعة لم تكن تصلى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد الخلفاء الراشدين إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.ولم تتعدد المساجد التي تقام فيها الجمعة في البلد الواحد إلا في أيام المتأخرين من الخلفاء العباسيين، ثم جرى الأمر على ذلك في سائر بلاد المسمين وعصورهم، ولم ينكره أحد.
2- ضم قبر النبي صلى الله عليه وسلم للمسجد: ضاق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصلين ، وتمت توسعنه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم في عهد عمر بن الخطاب، ثم في عهد عثمان رضي الله عنهما من جهة القبلة. ولكن التوسعة الكبيرة والمستحدثة كانت أيام ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة المنورة في خلافة الوليد بن عبد الملك، إذ ضم بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، وفيها موضع قبره صلى الله عليه وسلم ، وأقام للمسجد أربع منائر. ولم يقل أحد إن عمر بن عبد العزيز ابتدع في جعل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد.
3- تدوين الحديث الشريف، وجمعه في كتب الصحاح، وقد كان الصحابة يتحرجون من ذلك خوفا من اختلاط الحديث بالقرآن. ولا يمكن لقائل أن يقول إن هذا من أمر الدنيا لا من أمر الدين.
4- الاشتغال بعلم مصطلح الحديث، بما في ذلك علم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، فوضع العلماء رتبا مختلفة للرواة، فهذا ثقة ثقة، وذاك ثبت، وذلك صدوق، والآخر صويلح، وأحدهم مدلس.....إلخ. ولم يقل أحد إن هؤلاء العلماء الأجلاء يغتابون الناس، أو يسيئون القول في الموتى.
5- بدأت الكتابات في القراءات السبع والعشر للقرآن الكريم، والمراد بها في المائة الثالثة للهجرة، ولم يقل أحد إن ذلك أمر لم يكن في عهد رسول الله ولا صحابته، وأنه بدعة ضلالة.
6- الاشتغال بعلوم السيرة، وتدوينها، وعلوم النحو والصرف، وعلم التوحيد، وغير ذلك.
من هذا نرى أنه ليس كل ما أحدث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر بدعة ضلالة، وهذا يعني أن حديث كل بدعة ضلالة هو حديث عام، وله ما يخصصه، ولا يمكن إطلاقه هكذا.
الحلقة الثامنة:
أحاديث تدل على ما اتفق عليه العلماء من تخصيص حديث " كل بدعة ضلالة"
1- الحديث الأول :
روى مسلم والنسائي وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء."
قال النووي: وفي الحديث الحث على الابتداء بالخيرات ، وسن السنن الحسنات، والتحذير من الأباطيل والمستقبحات. وفي الحديث تخصيص قوله صلى الله عليه وسلم : " كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة.
2- الحديث الثاني: روى ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من استن خيرا فاستن يه كان له أجره كاملا ، ومن أجور من استن به لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن استن سنة سيئة فاستن به فعليه وزره كاملا، ومن أوزار الذي استن به، لا ينقص من أوزارهم شيئا ".
3- الحديث الثالث: روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " . وفي بعض ألفاظه : "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد". قال ابن رجب : هذا الحديث يدل بمنطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود. وقال الشيخ عبد الله الصديق: هذا الحديث مخصص لحديث: "كل بدعة ضلالة" ومبين للمراد منها كما هو واضح. إذ لو كانت البدعة ضلالة بدون استثناء لقال الحديث: من أحدث في أمرنا هذا شيئا فهو رد. لكن لما قال : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" أفاد أن المحدث نوعان: أ- ما ليس من الدين: بأن كان مخالفا لقواعده ودلائله فهو مردود، وهو البدعة الضلالة. ب- ما هو من الدين: بأن شهد له أصل أو أيده دليل فهو صحيح مقبول وهو من السنة الحسنة. (انتهى)
----------------------------
وأقول يا إخوتي
إن المتشددين في مفهوم البدعة والذين يسحبونه على كل دعاء أو صلاة أو ذكر لم يرد بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتأولون معنى السنة الحسنة التي وعد الرسول صلى الله عليه وسلم من سنها بالأجر الجزيل، ويقولون إن معناها من نشر سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا تأويل سقيم واضح البطلان، لأن هذا يكون قد نشر سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وثوابه مذكور في أحاديث أخرى، ولا يقال عنه أنه قد سن سنة حسنة، أي ابتدأ هو بعمل صالح ، فاستن الناس به وقلدوه، وإنما هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن نسبتها إليه.
وقد انساق بعض الناس في التشدد والإنكار على كل اجتهاد في العبادة لم يجدوه منصوصا عليه في الأحاديث، حتى وإن كان قد ورد النص عليه في صريح آيات القرآن الكريم، فقالوا عن بعض الأدعية الواردة عن الصالحين: إن الدعاء بها بدعة، والله يقول: "ادعوني أستجب لكم". وقالوا إن الذكر بلفظ الجلالة (الله) مجردا بدعة، والله تعالى يقول: "واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا". بل وصل بهم الأمر إلى الرمي بالبدعة ما صح عن الصحابة والتابعين، فيقولون إن الزيادة على الثماني ركعات في التراويح بدعة، رامين عرض الحائط بفعل الخليفة الراشد المهدي عمر بن الخطاب، بل بلغت الجرأة ببعضهم أن يقول: "سنة رسول الله أحب إلينا من سنة عمر" وكأنه هو وقد جاء بعد عصر النبوة بقرون، سيكون أكثر علما بسنة رسول الله ومقاصدها من صاحبه وصهره وخليفته الثاني، الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: إذا سلك عمر واديا سلك الشيطان واديا آخر أو كما قال رسول الله.
وقالوا إن التكبير الجماعي أيام العيدين بدعة، رغم أنه ثابت عن ابن عمر رضي الله عنهما ، فقد كان يكبر ، فيكبر الناس بتكبيره حتى ترتج المدينة من التكبير.
وقالوا إن تقبيل المصحف بدعة ، مع أنه ثابت عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
وهكذا ................ حتى حولوا الدين إلى مجموعة من القوالب الحديدية الجامدة، وصار همهم بدل إنكار المنكر، محاربة عباد الله الطائعين المجتهدين، والتنقيب وراءهم في كل حركة وسكنة لعلهم يظفرون منهم بفعل ما يمكن أن يصفونه بأنه بدعة.
طبعا ليس المقصود من كلامنا هذا تعطيل نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا حديث صحيح ، ومن أساسيات العقيدة، ولكن لننتبه ما هي البدع الواجب فعلا محاربتها.
لذا فإننا سنعرض في حلقة قادمة أمثلة عن البدع الخطيرة الواجب محاربتها، ولكن بعد أن
نتعرض لمفهوم الترك، وحقيقة حكمه الشرعي.
الحلقة التاسعة
الترك ليس حكما شرعيا
يحلو لبعض الأحباب أن يبادروا إلى كل شيء لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحكموا عليه بالإنكار وبقسوة وعنف على أنه بدعة لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فما معنى الترك؟ وما حكمه في الشرع؟
الترك: هو أن يدع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فلا يفعله، أو يدعه السلف الصالح فلا يفعلونه، من غير أن يأتي نص بالنهي عن ذلك الشيء المتروك، مما يقتضي تحريمه أو كراهته.
عندما عد علماء الأصول أنواع الحكم التكليفي لم يجعلوا منها الترك. فقد جاء في "الوجيز في أصول استنباط الأحكام في الشريعة الإسلامية" : تقسيم الحكم التكليفي إلى سبعة أقسام: الفرض، الواجب، المندوب، المحرم، المكروه تحريما، المكروه تنزيها، والمباح. وكثير من علماء الأصول يجعلونها خمسة: الفرض (والواجب فرض)، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. وجميعهم لا يجعلون الترك حكما تكليفيا. فكيف يبادر بعض الأحباب إلى الحكم على المتروك أنه بدعة؟؟.. الحق أن المتروك قد يكون أصله مباحا أو مستحبا أو مسنونا، ونعني به هنا –كما قدمنا- الأمر الذي لم يرد نص شرعي بالنهي عنه، وإلا صار مكروها أو حراما.
أنواع التروك:
1- التروك قد تكون في الأمور المباحة من أمور الطعام والمركب والمسكن. ولا يزعم زاعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كل مباح، فيكون ما تركه منه محظورا.
2- التروك قد تكون للأمور المستحبة المندوبة. وقد عرضنا عليكم سابقا أمورا كثيرة استحبها الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب فيها من خلال تقريره أصحابه. ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك كله. (راجع ما سبق).
3- التروك قد تكون للأمور المسنونة رفعا للحرج عن الأمة، وخشية الفرض عليهم، مثل صلاة التراويح في جماعة، فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعات في ليلة من ليالي رمضان، فصلى بصلاته قوم، ولما تكرر الأمر ، امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخروج للصلاة بهم، ولما أصبح قال: "ما خفي علي مقامكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم" والخبر في الصحاح. ومع ذلك جمعهم عمر رضي الله عنه في المسجد على أبي بن كعب ، في عشرين ركعة، ولم ينكر أحد من الصحابة فعله. ( ولكن تجرأ في العصور المتأخرة بعضهم فأنكر ما قرره الصحابة، ولا حول ولا قوة إلا بالله)
وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، وما سبح رسول الله سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها" (فهل كانت أم المؤمنين تعلمنا كيف نبتدع ونخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟؟؟ حاشاها)
4- التروك قد تكون طبعا للأمور التي ورد النهي عنها، وليس هذا مجالها هنا، لأنها منهي عنها بالنص.
الحلقة العاشرة
أنواع الترك
كتب الشيخ عبد الله الصديق في رسالته اللطيفة: "حسن التفهم والدرك لمسألة الترك"
أنواع الترك:
إذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فيحتمل ذلك وجوها غير التحريم:
1- أن يكون تركه عادة، كتركه صلى الله عليه وسلم لأكل الضب، حيث سئل : أحرام هذا؟؟ فقال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه. والحديث في الصحيحين. وهو يدل على أن تركه للشيء ولو بعد الإقبال عليه لا يدل على تحربمه، كما يدل على أن استقذاره صلى الله عليه وسلم للشيء لا يدل على تحريمه أيضا.
2- أن يكون تركه نسيانا، كما حدث عندما سها صلى الله عليه وسلم في الصلاة فترك شيئا منها، فسئل: هل حدث في الصلاة شيء؟ فقال: " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني"
3- أن يكون تركه مخافة أن يفرض على أمته، كتركه صلاة التراويح حين اجتمع الصحابة ليصلوها معه.
4- أن يكون تركه لعدم تفكيره فيه ولم يخطر على باله، كان صلى الله عليه وسلم يخطب الجمعة إلى جذع نخلة ولم يفكر في عمل كرسي يقوم عليه ساعة الخطبة، فلما اقترح عليه عمل منبر يخطب عليه، وافق وأقره.
5- أن يكون تركه لدخوله في عموم آيات وأحاديث، كتركه صلاة الضحى ، وكثيرا من المندوبات لأنها مشمولة بقول الله تعالى: "وافعلوا الخير لعلكم تفلحون"
6- أن يكون خشية تغير قلوب أصحابه أو بعضهم. قال لعائشة رضي الله عنها: "لولا حداثة قومك بالكفر، لنقضت البيت ثم بنيته على أساس إبراهيم عليه السلام..."
7- ويحتمل تركه وجوها أخرى تعلم من تتبع كتب السنة. ولم يأت في حديث ولا أثر تصريح بأن ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم يصبح فعله حراما.
كما قال الشيخ نفسه في كتاب "الرد المحكم المتين" :
"إن ترك الشيء إذا لم يصحبه نص على أن المتروك محظور، لا يكون حجة في ذلك، بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع."
وأقول يا إخوتي: إن معنى كلامه أنه إذا ثبت لك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك أمرا فلم يفعله، فهذا دليل على أن ترك هذا الأمر جائز، وليس دليلا على أن فعله حرام، مالم يرد نص بتحريم ذلك الفعل. والفرق كبير بين الأمرين..... فتأمل..........
فمثلا استخدام الدف مع الأناشيد الدينية لم يرد عن رسول الله ولا عن صحابته، فهل يدل ذلك على أنه حرام؟؟؟ لا.... بل ثبت أنه استخدم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفلات الزفاف والأعياد، ولم يرد أي نهي عن استعماله في غير هذه المناسبات، فكيف نحرم ما لم يحرمه الله ورسوله؟؟؟؟
الحلقة الحادية عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
" تفريق ضروري بين البدعة الشرعية واللغوية "
ننقل لكم مقتطفات من بحث المحدث الفقيه الدكتور محمد بن علوي المالكي الحسني في كتابه "مفاهيم يجب أن تصحح" .
والبحث بعنوان:
"تفريق ضروري بين البدعة الشرعية واللغوية"
ينتقد بعضهم تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، وينكر على من يقول ذلك أشد الإنكار, بل إن منهم من يتهمه بالفسق والضلال وذلك لمخالفة صريح قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " كل بدعة ضلالة" . وهذا اللفظ صريح في العموم، وصريح في وصف البدعة بالضلالة. ومن هنا نراه يقول : فهل يصح بعد قول المشرع صاحب الرسالة أن " كل بدعة ضلالة" أن يأتي مجتهد أو فقيه مهما كانت رتبته فيقول: لا ، ليس كل بدعة ضلالة، بل بعضها ضلالة وبعضها حسنة، وبعضها سيئة . وبهذا المدخل يغتر كثير من الناس فيصيح مع الصائحين وينكر مع المنكرين ، ويكثر سواد هؤلاء الذيثن لم يفهموا مقاصد الشريعة، ولم يذوقوا روح الدين الإسلامي. ثم لا يلبث إلا يسيرا حتى يضطر إلى إيجاد مخرج يحل له المشاكل التي تصادفه، إنه يضطر إلى اللجوء إلى اختراع وسيلة أخرى ، لولاها لما استطاع أن يأكل ولا يشرب ولا يسكن، بل ولا يلبس ولا يتزوج ولا يتعامل مع نفسه ولا أهله ولا إخوانه ولا مجتمعه. هذه الوسيلة هي أن يقول باللفظ الصريح: إن البدعة تنقسم إلى بدعة دينية ودنيوية. يا سبحان الله .... لقد أجاز هذا المتلاعب لنفسه أن يخترع هذا التقسيم، أو على الأقل أن يخترع هذه التسمية.
ولو سلمنا أن هذا المعنى كان موجودا منذ عهد النبوة، لكن هذه التسمية – دينية ودنيوية – لم تكن موجودة قطعا في عهد التشريع النبوي.
فمن أين جاء هذا التقسيم ؟ ومن أين جاءت هذه التسمية المبتدعة؟
فمن قال: إن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة لم يأت من الشارع، نقول له: وكذا تقسيم البدعة إلى بدعة دينية غير مقبولة، ودنيوية مقبولة هو عين الابتداع والاختراع.
فالشارع يقول: "كل بدعة ضلالة" هكذا بالإطلاق، وهذا يقول: لا، ليست كل بدعة ضلالة بالإطلاق، بل إن البدعة تنقسم إلى قسمين: دينية وهي الضلالة، ودنيوية وهي التي لا شيء فيها .
ولذا لا بد أن نوضح هنا مسألة مهمة – وبها ينجلي كثير من الإشكال – وهي أن المتكلم هنا هو الشارع الحكيم؛ فلسانه لسان الشرع ، فلا بد من فهم كلامه على الميزان الشرعي الذي جاء به. وإذا علمت أن البدعة في الأصل هي: كل ما أحدث أو اخترع على غير مثال؛ فلا يغيب عن ذهنك أن الزيادة أو الاختراع المذموم هنا هو الزيادة في أمر الدين ليصير من أمر الدين ، والزيادة في الشريعة ليأخذ صبغة الشريعة ، فيصير شريعة متبعة منسوبة لصاحب الشريعة. وهذا هو الذي حذر منه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" . فالحد الفاصل في الموضوع هو قوله: " في أمرنا هذا" .
ولذلك فإن تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة في مفهومنا ليس إلا للبدعة اللغوية التي هي: مجرد الاختراع والإحداث. ولا نشك جميعا في أن البدعة بالمعنى الشرعي ليست إلا ضلالة وفتنة مذمومة مردودة مبغوضة. ولو فهم أولئك المنكرون هذا المعنى لظهر لهم أن محل الاجتماع قريب وموطن النزاع بعيد. (انتهى )